النويري
299
نهاية الأرب في فنون الأدب
الذي أصلحت هو الذي أفسدت ، والذي أفسدت هو الذي أصلحت لفزت ، ولو كان ينفعني أن أطلب طلبت ، ولو كان ينجيني أن أهرب هربت ، فصرت كالمنجنيق بين السماء والأرض ، لا أرقى بيدين ولا أهبط برجلين ، فعظنى بعظة أنتفع بها يا بن أخي » . فقال ابن عباس : « هيهات يا أبا عبد اللَّه ، صار ابن أخيك أخاك ، ولا نشاء أن تبكى إلا بكيت ، كيف يؤمر برحيل من هو مقيم ؟ » . فقال عمرو على حينها من حين ابن بضع وثمانين سنة تقنطنى من رحمة ربى ، اللهم إن ابن عباس يقنّطنى من رحمتك فخذ منى حتى ترضى . فقال ابن عباس : هيهات يا أبا عبد اللَّه أخذت جديدا وتعطى خلقا ، قال : ما لي ولك يا ابن عباس ما أرسل كلمة إلا أرسلت نقيضها . وروى [ 1 ] بسنده إلى يزيد بن أبي حبيب : أن عبد الرحمن بن شماسة حدّثه قال : لما حضرت عمرو بن العاص الوفاة بكى ، فقال له ابنه عبد اللَّه : « لم تبكى ؟ أجزعا من الموت ؟ » قال : لا واللَّه ولكن لما بعده ، فقال له : لقد كنت على خير ، وجعل يذكَّره صحبة رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم وفتوحه الشام . فقال له عمرو : « تركت أفضل من ذلك كله ، شهادة أن لا إله إلا اللَّه ، إني كنت على ثلاثة أطباق [ 2 ] ، ليس منها طبق إلَّا عرفت نفسي فيه ، كنت أوّل شئ كافرا ، فكنت أشدّ الناس على رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم ، فلو متّ حينئذ وجبت لي النار ، فلما بايعت رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم كنت أشدّ الناس حياء منه ، فما ملأت عيني من رسول اللَّه صلى اللَّه
--> [ 1 ] في الاستيعاب ج 2 ص 514 . [ 2 ] الأطباق : المراد بها الأحوال .